ابن تيميه

34

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

أحدهما : وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوّزون القصر في سفر المعصية ، ويقولون إن هذا سفر معصية ؛ كأبي عبد اللّه بن بطة « 1 » ، وأبي الوفاء بن عقيل « 2 » ، وطوائف كثيرين « 3 » من العلماء المتقدمين ؛ أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر ، لأنه سفر منهي عنه . ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة . والقول الثاني : أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوّز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوّز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين ، كأبي حامد الغزالي ، وأبي محمد المقدسي ، وأبي الحسن بن عبدوس الحراني ، وهؤلاء يقولون : إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله : « فزوروا « 4 » القبور » « 5 » . وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم كقوله : « من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي » رواه الدارقطني . وأما ما يذكره بعض الناس من قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من حج ولم يزرني فقد جفاني » . فهذا لا يرويه أحد من العلماء ، وهذا مثل قوله : « من زارني وزار أبي [ إبراهيم ] في عام واحد ضمنت له على اللّه الجنة » « 6 » . فإن هذا أيضا باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ، ولم يحتج به أحد ، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني . وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك ، ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في كتب الفقه والحديث لا محتجا به ولا معتضدا به ، ولكن ذكره أبو أحمد بن عديّ في كتاب « الضعفاء » ليبين به ضعف راويه ، فذكره من حديث النعمان بن شبل الباهلي المصري

--> ( 1 ) هو : الإمام أبو عبد اللّه ؛ عبيد اللّه بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر ، المعروف بابن بطة ، العكبري الحنبلي . ولد سنة أربع وثلاثمائة ، في « عكبرا » وهي بليدة على نهر دجلة فوق بغداد . له من المصنفات : « الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية » و « الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة » و « إبطال الحيل » وغيرها . توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة . انظر : « تاريخ بغداد » ( 10 / 3721 ) و « طبقات الحنابلة » ( 4 / 153 ) و « البداية والنهاية » ( 11 / 321 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 16 / 529 ) . ( 2 ) هو : علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد اللّه البغدادي الظّفري ، أبو الوفاء الحنبلي . ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، كان من كبار علماء الحنابلة ، وله تصانيف كثيرة ، أهمها كتاب « الفنون » الذي يقع في أربعمائة مجلد - ولا يزال هذا الكتاب في عالم المخطوطات - . توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة . انظر ترجمته في : « طبقات الحنابلة » ( 2 / 259 ) و « سير أعلام النبلاء » ( 19 / 443 ) و « شذرات الذهب » ( 4 / 35 - 40 ) . ( 3 ) في « مجموعة الفتاوى » : « وطوائف كثيرة » . ( 4 ) في « مجموعة الفتاوى » : « زوروا القبور » . ( 5 ) أخرج مسلم في « صحيحه » ( 977 ) من حديث بريدة الأسلمي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها . . الحديث » . ( 6 ) هو حديث موضوع ، انظر « الضعيفة » ( 46 ) .